محمد محمد أبو ليلة
99
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
يقولوا " القرآن كلام اللّه " ، ولا يقال " القرآن قول اللّه " . يقول ابن جنى ( ت : 392 ه ) في الخصائص في تعليل ذلك : " وذلك أن هذا موضع متحجر لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه ، فعبر لذلك عنه - أي القرآن - بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتا تامة مفيدة ، وعبر به عن القول الذي لا يكون إلا أصواتا غير مفيدة ، وآراء معتقدة " ، ويقول : " واعلم أن " قلت " في كلام العرب إنما وقعت على أن تحكى بها ، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا ، ففرق بين الكلام والقول كما ترى " « 1 » أما الآيات التي فهم منها الكاتب خطأ أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو المتحدث فيها ، وأن القرآن بالتالي من اختراعه وتلفيقه ؛ فليست تعنى أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كتب القرآن من عند نفسه ، ولا أن هذه الآيات مقحمة على القرآن البتة ؛ إذ عندما يقول اللّه - على سبيل المثال : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) ( الليل : 14 : 16 ) ، لا يعنى ذلك أن محمدا هو قائل هذا الكلام ، بل الكلام كلام اللّه تعالى ، أجراه على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما أجرى غيره في القرآن على لسان الأنبياء والملائكة والصالحين ، بل وعلى ألسنة الكافرين المعاندين ؛ وهذا أسلوب قرآني وأسلوب في الحديث أيضا يعرفه البشر . تكلم السيوطي في الإتقان عن هذه المسألة فقال : " إن من القرآن ما ورد على لسان غير اللّه كالنبي صلى اللّه عليه وسلم وجبريل والملائكة غير مصرح بإضافته إليهم ، ولا إلى المحكى عنهم ، ومنه قوله قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ( الأنعام : 104 ) ، فإنه ورد على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم يبين هذا قوله في آخر الآية : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، وفي الآية التي تلا هذه الآية وما بعدها ، نص على أن القرآن وحي من اللّه ، أنزله على محمد ، وفي قول اللّه : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ( مريم : 64 ) وارد على لسان جبريل وقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) ( الصافات : 164 : 166 ) كلام أجراه اللّه على لسان الملائكة ، وقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كلام أجراه على لسان العباد مع أنه يمكن تقدير القول هنا ، على هذا النحو ، أي يقولون إياك نعبد " « 2 » .
--> ( 1 ) الخصائص ج 1 ص 19 - 20 . ( 2 ) الإتقان ج 1 ص 101 .